السيد هاشم البحراني

421

البرهان في تفسير القرآن

المساحي والمعاول ، وبدأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأخذ معولا ، فحفر في موضع المهاجرين بنفسه ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ينقل التراب عن الحفرة ، حتى عرق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأعيا ، وقال : « لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم اغفر للمهاجرين والأنصار » . فلما نظر الناس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يحفر ، اجتهدوا في الحفر ، ونقلوا التراب ، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر ، وقعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مسجد الفتح ، فبينا المهاجرون والأنصار يحفرون ، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه ، فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعلمه بذلك . قال جابر : فجئت إلى المسجد ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مستلق على قفاه ، ورداؤه تحت رأسه ، وقد شد على بطنه حجرا فقلت : يا رسول الله ، إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه . فقام مسرعا حتى جاءه ، ثم دعا بماء في إناء ، فغسل وجهه وذراعيه ، ومسح على رأسه ورجليه ، ثم شرب ، ومج من ذلك الماء في فيه ، ثم صبه على ذلك الحجر ، ثم أخذ معولا فضرب ضربة ، فبرقت برقة ، فنظرنا فيها إلى قصور الشام ، ثم ضرب أخرى ، فبرقت أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور المدائن ، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور اليمن ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « إن الله سيفتح عليكم هذه المواطن التي برق فيها البرق » . ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل . فقال جابر : فعلمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مقو - أي جائع - لما رأيت على بطنه الحجر ، فقلت : يا رسول الله ، هل لك في الغذاء ؟ قال : « ما عندك ، يا جابر ؟ » فقلت : عناق « 1 » ، وصاع من شعير . فقال : « تقدم ، وأصلح ما عندك » قال جابر : فجئت إلى أهلي ، فأمرتها ، فطحنت الشعير ، وذبحت العنز ، وسلختها ، وأمرتها أن تخبز ، وتطبخ ، وتشوي ، فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقلت : بأبي أنت وأمي - يا رسول الله - قد فرغنا ، فاحضر مع من أحببت ، فقام ( صلى الله عليه وآله ) إلى شفير الخندق ، ثم قال : « يا معاشر المهاجرين والأنصار ، أجيبوا جابرا » قال جابر : وكان في الخندق سبع مائة رجل ، فخرجوا كلهم ، ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والأنصار إلا قال : « أجيبوا جابرا » . قال جابر : فتقدمت ، وقلت لأهلي : قد - والله - أتاك محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما لا قبل لك به . فقالت : أعلمته أنت بما عندنا ؟ قلت : نعم . قالت : فهو أعلم بما أتى . قال جابر : فدخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فنظر في القدر ، ثم قال : « اغرفي ، وأبقي » . ثم نظر في التنور ، ثم قال : « أخرجي ، وأبقي » ، ثم دعا بصفحة « 2 » ، فثرد فيها ، وغرف ، فقال : « يا جابر ، أدخل علي عشرة » . فأدخلت عشرة ، فأكلوا حتى تملؤوا « 3 » ، وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ، ثم قال : « يا جابر ، علي بالذراع » . فأتيته بذراع ، فأكلوه ، ثم قال : « أدخل علي عشرة » . فأدخلتهم ، فأكلوا حتى تملؤوا « 4 » ، ولم ير في القصعة إلا آثار أصابعهم ، ثم قال : « علي بذراع » فأكلوا ، وخرجوا . ثم قال : « أدخل علي عشرة » ، فأدخلتهم ، فأكلوا حتى تملؤوا ، ولم ير في القصعة

--> ( 1 ) العناق : الأنثى من المعز . « لسان العرب - عنق - 10 : 274 » . ( 2 ) الصحفة : إناء كالقصعة المبسوطة . « النهاية 3 : 13 » . ( 3 ) في « ي » : نهلوا . ( 4 ) في « ط » والمصدر : نهلوا ، وكذا في الموضع الآتي .